الشنقيطي

442

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً [ فصلت : 16 ] الآية : قوله تعالى : فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ( 44 ) [ 44 ] . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة فصلت في الكلام على قوله تعالى وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ [ فصلت : 17 ] الآية . قوله تعالى : وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ( 47 ) [ 47 ] . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة ق في الكلام على قوله تعالى : أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها [ ق : 6 ] الآية . تنبيه قوله تعالى في هذه الآية الكريمة بَنَيْناها بِأَيْدٍ ، ليس من آيات الصفات المعروفة بهذا الاسم ، لأن قوله بِأَيْدٍ ليس جمع يد : وإنما الأيد القوة ، فوزن قوله هنا بأيد فعل ، ووزن الأيدي أفعل ، فالهمزة في قوله : بِأَيْدٍ في مكان الفاء والياء في مكان العين ، والدال في مكان اللام . ولو كان قوله تعالى : بِأَيْدٍ جمع يد لكان وزنه أفعلا ، فتكون الهمزة زائدة والياء في مكان الفاء ، والدال في مكان العين والياء المحذوفة لكونه منقوصا هي اللام . والأيد ، والآد في لغة العرب بمعنى القوة ، ورجل أيد قويّ ، ومنه قوله تعالى وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [ البقرة : 87 و 253 ] أي قويناه به ، فمن ظن أنها جمع يد في هذه الآية فقد غلط فاحشا ، والمعنى : والسماء بنيناها بقوة . قوله تعالى : كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ( 52 ) أَ تَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ ( 53 ) [ 52 - 53 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه ما أتى نبيّ قوما إلا قالوا ساحر أو مجنون ، ثم قال : أَ تَواصَوْا بِهِ ، ثم أضرب عن تواصيهم بذلك إضراب إبطال ، لأنهم لم يجمعوا في زمن حتى يتواصوا فقال : بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ ( 53 ) أي الموجب الذي جمعهم على اتفاقهم جميعا على تكذيب الرسل ونسبتهم للسحر والجنون ، واتحاد في الطغيان الذي هو مجاوزة الحد في الكفر . وهذا يدل على أنهم إنما اتفقوا لأن قلوب بعضهم تشبه قلوب بعض في الكفر والطغيان ، فتشابهت مقالاتهم للرسل لأجل تشابه قلوبهم . وقد أوضح تعالى هذا المعنى في سورة البقرة : كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ